عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
39
اللباب في علوم الكتاب
والمراد من قوله تعالى : ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ فالفائدة في « ثم » التنبيه على أنّ عدم الإنظار أشدّ من مضيّ الأمر ؛ لأن المفاجئة أشدّ من نفس الشدة . قال قتادة : وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً ثمّ لم يؤمنوا لعجّل لهم العذاب ولم يؤخّر طرفة عين . وقال مجاهد : « لَقُضِيَ الْأَمْرُ » ، أي : لقامت القيامة « 1 » . وقال الضحّاك : لو أتاهم ملك في صورته لماتوا « 2 » . قوله : وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً يعني : لو أرسلناه إليهم ملكا لجعلناه رجلا يعني في صورة رجل آدمي ؛ لأنهم لا يستطيعون النّظر إلى الملائكة ، كان جبريل عليه السلام يأتي النبي صلى اللّه عليه وسلم في صورة دحية الكلبي وجاء الملكان إلى داود عليه السلام في صورة رجلين ، ولأن الجنس إلى الجنس أميل وأيضا فإنّ طاعة الملائكة قويّة ، فيستحقرون طاعات البشر ، وربّما لا يعذرونهم بالإقدام على المعاصي . قوله تعالى : وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ في « ما » قولان : أحدهما : أنها موصولة بمعنى « الذي » ، أي : ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم ، أو على غيرهم ، قاله أبو البقاء « 3 » - رحمه اللّه تعالى - وتكون « ما » حينئذ مفعولا بها . الثاني : أنّها مصدريّة ، أي : وللبسنا عليهم مثل ما يلبسون على غيرهم ويسلكونهم ، والمعنى شبّهوا على ضعفائهم فشبّه عليهم . قال ابن عباس : هم أهل الكتاب ، فرّقوا دينهم وحرّفوا الكلم عن مواضعه ، فلبس اللّه عليهم ما يلبسون « 4 » . وقرأ ابن « 5 » محيصن : « ولبسنا » بلام واحدة هي فاء الفعل ، ولم يأت بلام في الجواب اكتفاء بها في المعطوف عليه . وقرأ الزهري « 6 » : « وللبّسنا » بلامين وتشديد الفعل على التّكثير . قال الواحدي « 7 » : يقال : لبّست الأمر على القوم ألبّسه لبسا إذا شبّهته عليهم ،
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 151 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 8 ) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن مجاهد . ( 2 ) أخرجه الطبري ( 5 / 152 ) من طريق الضحاك عن ابن عباس وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 9 ) وزاد نسبته لابن أبي حاتم وأبي الشيخ . ( 3 ) ينظر : الإملاء 1 / 236 . ( 4 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 153 ) عن ابن عباس . ( 5 ) ينظر : الشواذ 42 ، البحر المحيط 4 / 84 ، الكشاف 2 / 8 ، الدر المصون 3 / 14 . ( 6 ) ينظر : الكشاف 2 / 8 ، البحر المحيط 4 / 84 ، الدر المصون 3 / 14 . ( 7 ) ينظر : الرازي 12 / 134 .